تحليل إخباري.. الاتحاد الاشتراكي نهاية مرحلة

كتب بواسطة على الساعة 16:58 - 18 يناير 2013

 

يونس دافقير

بعدما اجتاز العقبة العسيرة لانتخاب لجنته الإدارية، يسير الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نحو المحطة الثانية من تشكيل هيآته القيادية بعد مؤتمره الوطني، يوم غد السبت (19 يناير)، تجتمع اللجنة الإدارية لانتخاب أعضاء المكتب السياسي، ومهما تكن خريطة القادة التنفيذيين الجدد، فإن اتحاد اليوم، يعيش خصاصا غير مسبوق في شرعية الأجهزة، وفي اصطحاب رصيد قياداته التاريخية.
قبيل المؤتمر، بدت سماء الاتحاد الاشتراكي تعد بإضافات نوعية للمشهد الحزبي المغربي بعدما أقرت اللجنة التحضيرية طريقة غير مسبوقة لانتخاب الكاتب الأول، لا يتعلق الأمر فقط بانتخابات تجري في دورتين، إنما كذلك بإجراء التنافس عبر مناظرات يتواجه فيها المرشحون للقيادة أمام القواعد في الأقاليم والجهات قبل الحسم النهائي في المؤتمر. لكن، وفجأة، توقف كل شيء، وانقلبت انتظارات الإضافات النوعية إلى طعون غير مسبوقة في النزاهة والشفافية.
كانت المشاهد المصاحبة لانتخاب المؤثمرين غريبة عن القيم الإتحادية النضالية وعن ثقافة التنديد بالتلاعب في نتائج الانتخابات التي أطرت طويلا الخطاب السياسي الإتحادي في علاقته بالدولة، بل إنها المرة الأولى في تاريخه الممتد لأزيد من نصف قرن، التي يجري فيها التشكيك من داخل الاتحاد في استقلالية قرار “القوات الشعبية”. باختصار انتقل الاتحاديون من الصراع حول الخط السياسي إلى الحرب حول المقاعد.
في عدد من الأقاليم تواجه الاتحاديون بالعنف الجسدي، وفي أقاليم أخرى اشتغلت آلة التخوين والطعن في نزاهة عمليات انتخاب الهيأة الناخبة، كان هاجس ضمان الأغلبية للمتنافسين في المؤتمر أكبر من انشغالات النقاش السياسي والإيديولوجي حول هوية الحزب ومشروعه المجتمعي في مغرب يتغير وسط صعود متنام للتيارات المحافظة، وبروز تهديدات ملموسة بالتراجع عن مكتسبات الديمقراطية والحداثة.
لم تكن أجواء انتخاب الهيأة الناخبة للمؤثمر سوى المقدمة التي تنبئ بالوصول إلى نتيجة طبيعة أثناء انتخاب الكاتب الأول للحزب، ويبدو لافتا اليوم أن أي كاتب أول للاتحاد الاشتراكي لم يسبق الطعن في شرعيته مثلما جرى الطعن في شرعية انتخاب الكاتب الأول الجديد، بل إن استقلالية وسيادة القرار الحزبي الاتحادي صارت موضع تشكيك.
أحمد الزايدي، رئيس الفريق الاشتراكي في مجلس النواب والمنافس لإدريس لشكر في الدور الثاني بعد استبعاد فتح الله ولعلو والحبيب المالكي، خرج في سابقة من نوعها في تاريخ الاتحاد الاشتراكي إلى الصحف ليتهم “جهات في الدولة” بالتدخل لصالح منافسه. لكن الزايدي لم يثر اللجوء إلى القضاء مثلما فعل خصوم حميد شباط داخل حزب الاستقلال، لقد اختار الاكتفاء بهذا الطعن السياسي الذي يحيط شرعية القيادة الاتحادية الجديدة بالإلتباس مثلما تحيط استقلالية القرار الاتحادي بتشكيك أكبر.
وما كاد الاتحاديون يطوون صفحة هذا الطعن القاسي، حتى بدا أن الكثير من نواقص الشفافية والنزاهة تحيط بالمرشحين للجنة الإدارية، حتى أن رئاسة المؤثمر اضطرت للبحث عن تبريرات غير صحيحة لإخفاء الحقيقة، في بلاغ صادر عن عبد الواحد الراضي رئيس المؤتمر بعد تأجيل انتخاب اللجنة الإدارية، نسب الكاتب الأول السابق التأجيل إلى وجود عطب تقني في عملية التصويت سيتم إصلاحه في أقرب وقت، قبل أن يظهر فيما بعد أن الأمر يتعلق بلوائح غير مضبوطة تتداخل فيها الأخطاء المادية بسوء النية التنظيمي و”التجييش” العددي.
ويكاد يكون المؤثمر الأخير للاتحاد الاشتراكي مؤثمر الخصاص في شرعية الأجهزة القيادية بامتياز، الالتباسات لم تحط فقط بانتخاب الكاتب الأول والهيأة المرشحة للجنة الإدارية، حتى نتائج برلمان الحزب لم تسلم من الطعن. الطيب منشد، القيادي البارز في تاريخ الاتحاد الاشتراكي وأحد كبار مؤسسي الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، يختار الانسحاب من اللجنة الإدارية أياما قليلة فقط عقب صعوده إليها، وفي شهادته/استقالته إلى رئيس المؤتمر يقول منشد إنه يطلب سحب إسمه من قائمة أعضاء اللجنة “احتجاجا على ما عرفته عملية فرز الأصوات، التي تحولت إلى مجزرة لذبح إرادة الاتحاديات والاتحاديين في الاختيار الديمقراطي الحر، حيث تحول بعض الفارزين والفارزات إلى ناخبين جدد غيروا مسار النتائج رأسا على عقب”.
واليوم، وهو ينتخب مكتبه السياسي، لم يفقد الاتحاد الاشتراكي في محطة مؤتمره التاسع فقط حظوة احتكار خطاب الشرعية السياسية والنزاهة الانتخابية، فقد أيضا الكثير من رصيده التاريخي ممثلا في رموزه وقياداته التي اختارت الإنسحاب إما من القطار الاتحادي ككل أو أن تتوارى إلى الخلف. مند البداية اختار محمد اليازغي وفتح الله ولعلو ومحمد الأشعري والعربي عجول عدم تقديم ترشيحاتهم للجنة الإدارية فيما يمكن اعتباره عدم رضا عن المرحلة “الشباطية” التي يدخلها الاتحاد الاشتراكي، واختار نجل الزعيم الراحل علي بوعبيد الاستقالة نهائيا من الحزب، وقرر الطيب منشد أن ينزع عنه الصفة “الإدارية”… وباب المغادرين والمتوارين ما زال مفتوحا في انتظار ما سيؤول إليه انتخاب أعضاء المكتب السياسي.
إلى أين سيسير الاتحاد الاشتراكي بعد انتخاب قيادته السياسية؟ لا أحد يعلم وجهته حتى الآن، لكن الأكيد أن “القوات الشعبية” فقدت الكثير من قواتها الديمقراطية والحداثية في زمن المواجهة مع المحافظة والظلامية، والأكثر تأكيدا من ذلك، أن حزب المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون وعبد الرحمان اليوسفي طوى نهائيا تلك المرحلة التي كانت له فيها حظوة احتكار خطاب الشرعية والنزاهة.

ما رأيك؟
أنشر الفيديو إذا أعجبك
أعجبني
لم يعجبني
محايد
التعليقات
0

إضافة تعليق