مشاهد بين عامين

كتب بواسطة على الساعة 11:01 - 2 يناير 2013

لمختار لغزيوي [email protected]

يستفيق العام من ثمالة الليلة التي قتلته. ينظر الناس حولهم كأنهم سكارى وما هم بالسكارى. يتأملون المشهد العام كله فيرون بلدا في منزلة بين المنزلتين: منزلة المار من الأزمة العابر لها بكل السهولة الممكنة، ومنزلة القابع فيها العاجز عن الإقلاع من بين براثن تفاصيلها.
بوناني، يقول المغربي رغما عن كل شيء. في مكان ما من البيضاء فقراء لا تخطئهم العين المجردة. يمتطون دراجات نارية مهترئة، يقفون قرب باب “بيسري” يبيع خمرا رخيصا. السلطات العمومية لم تنسهم هذه الليلة. قرب باب البيسري وضعت سيارة كاملة من أفراد القوات المساعدة، المتوقع منها أن تضرب حتى البكاء أي عربيد من هؤلاء قد يتجرأ في لحظة من لحظات ثمالته القصوى على أن يصنع شيئا غير محمود في الشارع العام.
بعيدا عن المكان الأول هذه المرة, يدخل شبان في كامل أناقتهم فندقا بيضاويا باذخا, يقتعدون الطاولة المحجوزة منذ أسابيع، ويتذوقون الكأس الأولى قبل ازدراد المزيد. يتوعدون الليلة أنها لن تمر بسهولة، ويتوقعون منها أن تكون خاصة وإن كانت الساعات في مشيها الوئيد أو السريع حسب كل واحد منا، تقول إنها سائرة والسلام.
نادلة الفندق حزينة. كانت تتمنى أن تكون الليلة قرب أسرتها، لكنها في الوقت ذاته تتوقع مردودا ماليا قويا من نفحات سكارى العام الجديد، وعناصر الأمن الخاص في الباب يتندرون من مشهد شابة جميلة، لكن ضائعة بدأت الشرب باكرا ولم يسمحوا لها بالدخول إلى الفندق، فشرعت في سبهم وسب العام الجديد معهم بكل اطمئنان.
هي تعتقد أنه عام نحس هذا الذي ينتهي برقم 13، ويبتدئ بمنعها من الدخول إلى فندق ألفت الدخول إليه، فيما شباب الأمن الخاص يتصورون أنها “سكرانة” يجب أن تذهب لحال سبيلها، والشباب الذين دخلوا الفندق يعتقدون أن صديقاتهم تأخرن أكثر من اللازم وأن الاحتفال يجب أن يبدأ فورا ودون تردد.
في الباب بائعة ورود حمراء بلاستيكية. لرائحة الورد وهو من البلاستيك طعم آخر مغاير. جدا. في يوم من الأيام أهدى مارتين لوثر كينغ لزوجته ورودا بلاستيكية، وحين سألته “لماذا؟”، قال لها “لأنها لا تذبل, ولأنها تبقى عكسنا نحن ياعزيزتي، فنحن راحلون”. أياما قليلة بعد ذلك، قتل عنصريون مارتين لوثر كينغ، وتركوا لازمته حلما لكل أحرار العالم لم يتحقق لحد الآن.
الصغيرة التي تبيع الورود الحمراء البلاستيكية لا تعرف مارتين طبعا، لكنها تعرف أن ثمن كل وردة من ورداتها الحمراء يساوي عشرة دراهم, وأنها ملزمة ببيع أكبر قدر منها قبل أن تنتهي الليلة الخاصة بالنسبة للآخرين، العادية جدا، والباردة أكثر من اللازم بالنسبة لها.
يمر شابان راجلان قرب باب الفندق، يرمقان شزرا الجالسين داخله. يقول الأول للثاني “مبرعين معا راسهم”، يجيبه الثاني “فلوس اللبن…”، يكملان طريقهما دون التفاتة. يمر رجل مسن، العين اليمنى منه مقفلة تماما بسبب مرض لم يهتم بحاله كثيرا. بين يديه علبة حلوى، وفي جعبته الكثير من الأفكار الحالمة بليلة قرب الأحفاد فور الوصول إلى المنزل. الترامواي يطلق صفيره الجديد إيذانا بكازا نيغرا الجديدة، وفي المشهد الخلفي حافلة برقم مهترئ جدا تحمل السائق ومساعده وبضعة أنفار من المسافرين.
هل انتهى عهد “طوبيسات” البيضاء القديمة؟ لا أحد يرد اليوم على السؤال في المدينة الأكبر مغربيا, لأن الكل يعرف أن “طوبيسات” المكان الأول لن تنتهي بهاته السهولة ومعها الطاكسيات البيضاء أو “البقرة المجنونة” مثلما أسماها الكازاويون ذات زمن بعد أن أعيتهم بحوادث سيرها. لن تنتهي أيضا حوادث المدينة الغول, وسيارة حمقاء عربد أصحابها قبل الوقت مزقت سكون المكان، ودفعت شرطيا إلى الاستعاذة بالله قائلا بصوت مرتفع لمن يريد سماعه “الله يدوز هاد الليلة على خير”.
صوت أذان العشاء تزامن مع الدعاء، والمسجد الصغير الموجود في الحي الخلفي للفندق سرعان ماامتلأ برواده من المصلين. الله أكبر، الله أكبر، تنطلق الصلاة خلف الإمام، ينطلق صوت المغني في “البيانو بار” “أي ويش ميري كريسماس أند هابي نيو يير”. يتمنى للجميع سنة سعيدة. في المكبر الصوتي للمسجد، يسمع صوت الإمام “السلام عليكم ورحمة الله”، معه يرتفع صوت شاب من الجالسين متحلقين حول طاولتهم يقول “الله يعفو علينا”، قبل أن يضيف “سنة سعيدة آلعشران”.
الفتاة الصغيرة لا زالت تبيع ورودها في الباب. شبان الأمن الخاص يحركون أرجلهم تفاديا لبرد الليلة القارس. نادلة الفندق الجميلة لكن الحزينة انخرطت مع الشباب في وضع الاحتفال المهيمن. الإمام يدعو للمصلين خلفه. يقفل الجامع بابه. يدلف شخصان منه مباشرة إلى الفندق. تشرع سنة كاملة في الانتهاء. معها تشرع سنة أخرى في الانطلاق، وتستمر الحياة، مثلما تقول المسلسلات التافهة باستمرار.

ما رأيك؟
أنشر الفيديو إذا أعجبك
أعجبني
لم يعجبني
محايد
التعليقات
0

إضافة تعليق