داخل مستشفى عمومي

كتب بواسطة على الساعة 8:35 - 7 أكتوبر 2012

أعدت اكتشاف مستشفى عمومي يوم الخميس الماضي في الدار البيضاء. مثلي مثل بقية المغاربة اقتنعت منذ زمن طويل أن المستفيات العمومية لا تعالج أحدا بل تزيد من مرض المرضى وعائلاتهم لذلك أقصد الطب الخاص كلما استجد عارض صحي بي أو بأحد أفراد عائلتي رغم عدم القدرة الدائمة على الأمر، لكن الاختيار حسم منذ سنوات لدى شعبنا بخصوص العلاقة بالمستشفيات واليقين أن من أراد إنقاذ بعض من صحته في هذا البلد الأمين عليه أن يذهب إلى المصحات الخاصة وعيادات الأطباء وأن يعفي نفسه من تعذيب نفسه في مشفى عمومي مهما كلفه الأمر.

اعتقاد غيرته بناء على نصيحة من زميلة قالت إنها تعرف بأن الجناح الخاص بالطب النفسي في مستشفى إبن رشد يسير بشكل جيد وأنه أفضل من العيادات والمصحات الخاصة، فصدقت وياليتي ما صدقت مثلما يقال، إذ اكتشفت برؤى العين وبعيدا عما يحكى لنا باستمرار من مواطنين يقصدون المستشفيات ويعودون منها بشكايات كبرى حقيقة ما يقال، وازددت يقينا مرة أخرى أن المستشفى العمومي توفي إلى رحمة الله في المغرب وألا أمل إطلاقا في إصلاحه مهما صدقت كل النوايا.

حكاية تستحق الرواية لأنها من الممكن أن تقع لأي منا. ابتدأ الأمر بالوصول مع الموعد المحدد، مثل أي إنسان واهم يحترم نفسه ويعتقد أننا نعيش في بلد يستحق الاحترام، ضحكة المرضة المكلفة بالاستقبال كانت كافية لكي تزعزع هذا اليقين المحترم من أساسه “الناس هنا من التسعود ومازال مادخلوش، سير خلص بعدا وعاد آجي هضر معايا”.

الامتثال في مثل هذه الحالات لأوامر مثل هاته السيدة خصوصا حين يكون باديا عليها سوء المزاج هي المسألة الوحيدة الممكن القيام بها. الوجهة الصندوق من أجل الأداء ودون أي تأخر في الأمر بطبيعة الحال.

في الصندوق هرج ومرج عجيبان، وسيدة خلف الزجاج تبدو بمزاج متعكر أكثر من ممرضة الاستقبال في الجناح الأول، أمد الوريقة النقدية المطلوبة، تعيدها إلي شزرا وتطلب مني الانتظار . “علاش؟” تطرح السؤال ببراءة تامة، يأتيك الجواب على الفور “حيت ماكاينش الصرف”.

فعلا جواب حكيم للغاية، ويذكرك أنك ملزم مثل بقية الحاضرين هنا بحمل الصرف معك مهما وقع.

تتنازل طوعا عن الصرف وتقول لها “مسامح دنيا وآخرة، غير سيفطيني آللا”. تعطيك ورقة الأداء وتعيدك إلى المكان الأول.

هذه المرة تعود معتدا بنفسك أكثر من المرة الأولى. أنت أديت ثمن الزيارة ولديك موعد أتيت قبله بدقائق عديدة، أي أن كل شيء تحت السيطرة، ولا داعي لأي انتظار.

مرة أخرى أنت واهم. السيدة المكلفة بالاستقبال والتي يبدو عليها أنها لا تحب كل هؤلاء المتحلقين حولها لديها رأي آخر مخالف تماما “سير كلس حتى نعيط ليك”.

تذكرها أنك تجاوزت الموعد وأنه من المفروض أن تدخل أنت. ترمقك بنظرة تسكتك وتفرض عليك فعلا أن تجلس.

تجلس وتجلس وتجلس. يتعب منك الجلوس. تقف، تتملى في المشهد كله. مرضى بالعشرات ينتظرون دورهم دونما أمل في وصول دورهم يوما. المكان نظيف ولا يشبه حالة المستشفيات العمومية القديمة، لكن لاتساخ يبدو في مكان آخر غير قابل للتحديد. تراه عقلنا الجماعي؟ تراه الشعور الذي يراودنا جميعا، أطباء وممرضين ومرضى ومسؤولين عن الصحة، أن مستشفياتنا العمومية هي بنايات حجرية لا آقل ولا أكثر من أجل إقناع الناس بأننا نتوفر على هذا النوع من البنايات أماالعلاج فيها وأما المرور عبرها فمسألة غير مستحبة على الإطلاق؟.

تلعن الشيطان بعد أن راودتك فكرة الصراخ في وجه كل هذا الهراء، وترى أن هناك حالات أسوء من حالتك تنتظر بتسليم مثير للأعصاب فعلا. هل فقد المغربي قدرته على الاحتجاج وأصبح كائنا وديعا حد الموت، وحد اليقين بأنه لايملك إلا القبول بالأمر الواقع: واقع بلد هو مسجون فيه ويعاني مع مؤسساته العمومية التي يمولها دون أي مقابل يذكر في الختام؟.

تمر الدقائق وتكمل الساعة والنصف في الانتظار. تفهم أنه من الأليق لك أن تسحب كرامتك من هذا المكان. تعرف أن الطبيبة التي أعطتك موعدا في العاشرة والنصف قد غادرت المبنى. تحمل قريبتك التي حملتها إلى هنا، وتمضي.

في الخارج ترى العشرات واقفين ينتظرون دورا لن يأتي أبدا. تتذكر كل خطب المسؤولين، يبدو لك الحسين الوردي، البروفيسور اللطيف، حاملا لوهم كبير إسمه إصلاح الصحة العمومية، ويبدو لك المشهد قابلا لمسألة من إثتينن: الانفجار في وجهه, أو الضحك منه ومنك ومن بقية المصدقين أن هناك صحة عمومية في هذا البلد.

تبتعد وتأخذ موعدا مع طبيب خاص في عيادته. على الأقل ستشتري بتلك الدراهم التي ستنفحه إياها دورا سيأتي في الوقت، وابستامة وإن كانت مصطنعة من موظفة استقبال لن تزمجر في وجهك. وستدخل وسترى في الختام إن كان لدخولك معنى أم أنه مثل بقية أشياء هذا البلد: بلا أساس و بلا معنى على الإطلاق.

ما رأيك؟
أنشر الفيديو إذا أعجبك
أعجبني
لم يعجبني
محايد
التعليقات
0

إضافة تعليق